من اليوم سأقوم بكتابة صفحات من عفو الخاطر لسنوات قاربت النصف قرن من حياتي منذ التحاقي بللحركة الإسلامية عام ١٩٦٨ بعد هزيمة ٦٧.
في هذه الصفحات سأسجل انطباعتي على كلّ من مرّ بي من أحداث وأشخاص وكان لهم بصمة وأثر.
هذه المذكرات ستظهر -إذا كتب الله لنا عمراً- في صفحاتها جوانب ومواقف من حياتي في الوطن والغربة لم أذكرها في كتابين صدرا عن مسيرتي الحياتية والفكرية والمهنية والنضالية قبل عدة سنوات.
↚
صفحات من حياتي
الحلقة الأولى (١)
نصف قرن مرت من حياتي قضيتها اليوم في العمل الإسلامي، حيث بدأت مسيرة التحول في سلوكياتي من عاشق للرئيس جمال عبد الناصر وفكره (رحمه الله) إلى الإخوان المسلمين بعد هزيمة ٦٧، وكان ذلك على يد الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله)، وكان من بين الشباب الناصرين الذين شهدوا هذا التحول مثلي من أبناء رفح الأخوين موسى أبو مرزوق وفتحي الشقاقي (رحمه الله).
كنا في البداية مجموعة تضم ١٧ شاباً من خيرة شباب المخيم، وقد خرج بعض هؤلاء الشباب فيما بعد والتحق بحركة فتح، مثل: العميد حمودة جروان ومستشار الرئيس خميس ابو ندا.
بعد مغادرتتا للدراسة الجامعية في مصر بداية السبعينيات، تصدر الاخ موسى أبو مرزوق قيادة التنظيم في القاهرة، فيما أصبح الأخ فتحي الشقاقي أبرز عناوينه في الزقازيق .
↚
صفحات من حياتي
الحلقة (2)
في المرحلة الثانوية، وبعد مبايعة الشيخ أحمد ياسين على السمع والطاعة والالتزام بفكر الإخوان المسلمين، و النظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها القضية المركزية للحركة الإسلامية، والعمل من أجلها في المنشط والمكره، بدأنا كمجموعة من الشباب الملتزم إسلامياً نلتقي بشكل دائم في بيت الأخ فتحي الشقاقي، حيث كان المتميز بيننا ثقافياً، وعلى المستوى الدراسي يعتبر من الطلبة الأوائل، فيما الآخرون أيضاً كانوا من صفوة الطلاب على المستويين العلمي والأدبي، فالإخوة: إبراهيم أبو مر، جمال أبو هشام، إبراهيم معمر، خميس ابو ندى، علي شكشك، خليل الشقاقي وغيرهم، كانت لقاءاتنا لمناقشة ما كنّا نقرأه من كتب الأستاذ سيد قطب وأخيه الأستاذ محمد قطب، وأيضا كتب الشيخ محمد الغزالي والبهي الخولي.
بالطبع، كان كتاب (معالم في الطريق) لسيد قطب وكتاب ( التطور والثبات في حياة البشرية) لمحمد قطب مع مجموعة (في ظلال القرآن) هي الأكثر حضوراً واستغراقاً في نقاشاتنا وجدالاتنا الفكرية.
كانت سنوات الثانوية العامة، هي الأكثر تأثيراً على نضوجنا الحركي في السياقين الفكري والثقافي، كما كانت هي الفترة التي جعلتنا أكثر التصاقاً وتعلقاً بالمساجد والمحافظة على الدروس التي كان يلقيها الشيخ حسين المصري (رحمه الله) والشيخ رجب العطار.
كانت مدينة رفح بمخيّميها الأشهر الشابورة ويبنا، يقيم فيهما العديد من الشخصيات المعروفة بانتمائها التاريخي للإخوان المسلمين من خمسينيات القرن الماضي، مثل: الحاج محمود محسن والأستاذ زكي عوض الله والأستاذ أحمد أبو هاشم والأخ أبو العبد استيته، والأخ أبو عبد المجيد عوض الله والأستاذ صلاح عيسى وغيرهم، وكان مسجد الهدى في مخيم يبنا الأكثر شهوداً لنا، وخاصة في صلاتي الصبح والعشاء.
في عام 1969 وبعد انتهاء مرحلة الثانوية العامة، سافر البعض منًا إلى مصر والبعض الآخر إلى الضفة الغربية للدراسة في كلية بيرزيت ومعهد المعلمين في رام الله، أما أنا فقد اتخذت طريقي وكان قراري بالسفر إلى تركيا على أمل دراسة الطب أو الهندسة في إحدى جامعاتها، أما الأخ موسى أبو مرزوق فقد أنهى الثانوية العامة في الأردن، ومنها سبقنا بالسفر إلى مصر للدراسة فيها؛ كون أحد إخوته يقيم هناك.
كانت سنوات السبعينيات هي من جمعت شملنا بعد ذلك للدراسة في الجامعات المصرية، وخاصة في القاهرة والاسكندرية والمنصورة والزقازيق.
لقد كان من أعلام تلك السنوات الإخوة: إسماعيل أبو شنب وعمر فروانة وعماد العلمي ومفيد المخللاتي ومحمد الهندي وعبد العزيز عودة وماجد جابر وبشير نافع وعبد العزيز الشقاقي وأحمد عودة، إضافة للأخوين موسى أبو مرزوق وفتحي الشقاقي.
ترأس الأخ موسى أبو مرزوق قيادة التنظيم، وبعد تخرجه غادر إلى الإمارات للعمل هناك كمهندس في شركة أدنوك، وخلفه الشيخ راجح الكردي ( رحمه الله) ثم الدكتور علي العتوم، إذ كان تنظيم بلاد الشام قد تأسس عام 1978، وأصبح يضم تحث مظلته التنظيمين الفلسطيني والأردني.
في تلك الفترة من أواخر السبعينيات كانت نداءات الثورة الإسلامية في إيران تتعالى، وقد تفاعل معها الشباب الإسلامي الفلسطيني، وخاصة الأخوين فتحي الشقاقي وبشير نافع، وأخذا يدبجان المقالات المتساوقة مع الثورة والإمام الخوميني في مجلة المختار الإسلامي (المصرية)، بل إن الأخ فتحي كان قد قام بنشر كتابه المثير للجدل (الخميني.. الحل الإسلامي والبديل)، والذي أثار مخاوف وقلق معظم شباب الإخوان الفلسطينيين، نظراً لأن أجهزة الأمن المصرية أخذت تتعقب كلّ من له علاقة بالكتاب والكاتب.
وعليه؛ تمّ اعتقال البعض واستدعاء البعض الآخر، وهروب عددٍ إلى خارج مصر، خوفاً من الملاحقة الأمنية، إذ كانت الأجهزة الأمنية المصرية تتخوف من الأفكار التي بدأت تأخذ طريقها إلى عقول الشباب حول تصدير الثورة الإسلامية إلى مصر بشكل كبير، وكان حجم الحماس للإمام الخميني وثورته في صفوف الشباب الإسلامي بالجامعات المصرية كبيراً وملحوظاً.
وشهادة للتاريخ، أتذكر أن الدكتور راجح الكردي؛ المسؤول عن قيادة التنظيم آنذاك، قد عرض على الأخ فتحي الشقاقي نشر الكتاب في الأردن بدلاً من مصر، لحساسية الظروف الأمنية في مصر، إلا أنّ الأخ فتحي فاجأنا جميعاً بطباعة الكتاب وتوزيعه على الشباب، وهو الأمر الذي حرّك أجهزة الأمن المصرية لتعقب هؤلاء الشباب، وصار الكثير منهم خائفاً يترقب.
استطاع الأخ موسى في فترة قيادته للتنظيم، أن يقيم قناة اتصال مع تنظيم الإخوان المصريين عبر الأستاذ كمال السنانيري، وهو ما أعطى مساحة للكثيرين من أن يحظى بالتواصل مع قيادات التنظيم المصري، ويشارك في الأنشطة الفكرية والدعوية داخل الجامعات كالأخوين عصام العريان وعبد المنعم أبو الفتوح، و قد كان هناك كثير من التفاعل مع أنشطة الجماعة الإسلامية، التي هي بمثابة الذراع الطلابي للإخوان.
بالطبع، كانت مصر البلد الذي تعرفنا فيه على شخصيات إسلامية أخرى غير الإخوان، فالشيخ محمد الغزالي كان مدرسة في العمل الدعوي، وكنا نحرص على الصلاة خلفه يوم الجمعة، والاستماع إلى خطبته بمسجد الفسطاط في مصر القديمة، وكذلك الشيخ عبد الحميد كشك بحدائق القبة، والشيخ عبد اللطيف مشتهري، والشيخ عبد المتعال الجبري، والشيخ سليمان ربيع بمسجد الخلفاء وغيرهم.
في مصر، حقيقة تكاملت شخصيتنا الإسلامية، وتعمقت ارتباطاتنا بالفكر الإخواني، وتآكدت قناعاتنا بالالتفاف حوله والدعوة إليه.
في مصر، وقبل أن نغادرها، ربما في عام 1976، بدأ الأخ فتحي الشقاقي يفكر في الانفصال عن التنظيم الإخواني الفلسطيني في مصر على إثر بعض المشاكل التي تسببت في تهميش دوره القيادي بشكل عام، وكما ذكرت كان الأخ فتحي شخصية استثنائية وقد أخطأت الحركة -من وجهة نظري- أنها لم تُعطه الدرجة والمنزلة التي يستحقها في قيادة التنظيم. فنحن والدكتور موسى وعدد كبير من الشباب كنّا نعرف -حقاً- ما للدكتور فتحي الشقاقي من مكانة وقدر، ولكن -والله أعلم- كان لبعد الأخ فتحي عن مركز القيادة في القاهرة سبباً في ذلك.
بقيت محاولة شقّ الصف الذي تحدث البعض عنها قائمةً، وقد وجدت من يؤيدها أو يحث عليها من شخصيات، مثل تيسير الخطيب وعبد العزيز عودة.
كان تنظيم بلاد الشام قوياً، بحكم وفرة الشخصيات القيادية التي تمثله وتواجد الكثير منها لدراسة الدكتوراه في مصر، وصارت هي صاحبة التأثير والبوصلة للتنظيم الفلسطيني، وكان من بين هؤلاء عدد من أساتذة كلية الشريعة في الأردن، مثل: الشيخ راجح الكردي، والشيخ أحمد نوفل، والشيخ أحمد الكوفحي، والشيخ محمد ابو فارس وغيرهم.
في الحقيقة، أتاح لنا وجودنا في القاهرة لسبع سنوات أن نلتقي كلّ رجالات الإخوان المصريين من الصف الأول، كالأستاذ عمر التلمساني والأستاذ مصطفى مشهور والدكتور أحمد الملط، والأخت زينب الغزالي، والشيخ يوسف القرضاوي.
كانت مصر بجامعاتها ومساجدها كالأزهر الشريف وميادينها التاريخية هي البصمة الأهم، فيما تركناه بعد ذلك من نهجٍ وأثر على ساحاتٍ أخرى وطأتها أقدامنا في كلِّ مكان من عالمنا العربي أو الدول الغربية، التي طالت لأكثر من خمسٍ وثلاثين سنة، طافت بسيطتها أقدامنا، وأبحرت فيها عقولنا، سواءً في بلاد العرب أو دول الغرب.
↚
صفحات من حياتي..
ما نسجله هنا هو عفو الخاطر لرحلة عمرها ٥٠ عاماً مع الحركة الإسلامية ومحطاتها في الوطن والشتات.
الحلقة (٣)
بعد التخرج كمهندس ميكانيكي من جامعة الأزهر العريقة بالقاهرة، عدت مع زوجتي عن طريق الأردن إلى قطاع غزة بعد توقف ليومين في ضيافة الشيخ د. راجح الكردي في منطقة صويلح بالعاصمة عمان.
وعندما حططنا رحالنا في غزة واسترحنا ليوم أو يومين، غادرت منزلي في رفح وتوجهت بالسيارة إلى بيت الشيخ أحمد ياسين في منطقة الصبرة بمدينة غزة.
كان اللقاء أخوياً وحميمياً بامتياز، فهو أستاذي ومرشدي، وما كنت أقطع له أمراً على مستوى الرأي والمشورة.
جلست معه أكثر من ساعتين، يحدثني عن رؤيته لغزة وشبابها الإسلامي، وماتنتظره البلاد بعد هذا الغيث من الخريجين، إذ كنا قرابة ٢٥٠ شاباً جامعياً بخلفيات علمية تتفاوت في أغلبها بين الطب والهندسة والصيدلة والعلوم، والمكانة التي سترتقي لها الحركة بتشغيلهم في مختلف مرافق الحياة، وخاصة في قطاع التربية والتعليم والمستشفيات والبلديات، وهو ما يعتبر فتحاً مبيناً للحركة الإسلامية.
كانت تعاليم الشيخ أحمد ياسين أن على كلّ خريج أن يضع في ذهنه أن الأولوية هي في البحث عن وظيفة له في القطاع، ومن ضاقت في وجهه اسواق العمل فيمكن السماح له بالبحث عن فرصة له في الدول العربية.
كان هذا هو المنطق الذي يتحدث به الشيخ ياسين، إذ انّ الحركة كان تضع نُصب أعينها تعزيز أركان حضورها وقوتها، من خلال هذه النخب التي أعطت لغزة وجهاً حضارياً متميزاً ومؤهلاً للنهوض بالقطاع في فترة زمنية قد لا تتجاوز العشر سنوات.
كان الشيخ ياسين يحدثني باستشرافاته لمستقبل واعد، وكنت أنا في المقابل، أحدثه عن طموحاتي وهو يسمع.
اتفقنا أن أفتش لي عن عمل في القطاع، فإذا تعذر حصول ذلك يمكن -عندئذ- التفكير بالسفر للعمل في الخارج.
حاولت أن أجد وظيفة في بلدية رفح، لكن للأسف سبقنا مهندس آخر من المواطنيين، فقررت العمل بالمجان في ورشة لإصلاح السيارات الألمانية بمدينة غزة يديرها رجل فاضل من دار الطويل.
أستمر عملي بهذه الورشة قرابة الأربعة شهور كنت فيها أذهب إلى غزة وأعود في المساء ملطخة ملابسي بزيت السيارات، حتى جاء اليوم الذي واجهني فيه والدي الذي لم يعجبه هذا الحال مستفسراً عن طبيعة عملي!! سائلاً بنبرة غضب: ماذا تعمل بذهابك اليومي إلى غزة.. فقلت له: أنا في فترة "تدريب عملى" لتطبيق ما تعلمته في كلية الهندسة. ردّ بلغة مستهجنة وفيها شيء من الاستخفاف، قائلاً: ألم تتعلم خلال كلّ تلك السنوات التي قضيتها في الجامعة بما يغنيك عن هذا؟! أنا كنت أنتظر أن أراك جالساً على مكتب وتدير الأمور، وليس ممدداً تحت سيارة لإصلاحها!! فلو كنت أعلم أنك ستنتهي لتكون ميكانيكي سيارات لأرسلتك إلى ورشة (أبو ارقيق) عندنا في رفح، وليس إلى الجامعة في مصر وتحمل كل هذه التكاليف الباهظة!!
كان كلام أبي منطقياً، ولم أجد ما ارد به إلا توقفي عن هذا العمل، خاصة انه بدون راتب وأنا رجل متزوج واحتاج إلى مصروفٍ للببت.
ذهبت مهموماً إلى الشيخ أحمد ياسين أشكو له حالي، وأنه لا بدّ لي من إيجاد عملٍ في الداخل او الخارج.
تفهم الشيخ المعضلة، وقال لى: انتظر يا أخ أحمد بعض الوقت، وسنجد لك عملاً إن شاء الله.
وما هي إلا أسابيع قليلة، وإذ بالشيخ يطلبني، ويقول لى: ابشر يا باشمهندس فقد جاء الفرج، وستسافر قريباً إلى الإمارات للعمل هناك.
تهللت أساريري وصارت الدنيا مش وسعاني؛ كما نقول بلغتنا الشعبية..
شرح لي الشيخ أنّ هناك مشروعاً ترعاه إمارة أبو ظبي لتحفيط القرآن في فترة الإجازة الصيفية باسم الشيخ زايد، ويمنح راتباً مجزياً قيمته ثلاثة آلاف روبية شهرياً ولمدة ثلاثة أشهر، مع فرصة عمل لمن يريد الإقامة هناك.
كان هذا المشروع حقييقة هو بداية الغيث، والذي انهمر بعد ذلك بالوظيفة التي حصلت عليها بإمارة دبي كمدير تنفيذي بجمعية الإصلاح والتوجيه الإجتماعي، والتي كان يرأسها سمو الشيخ خليفة؛ أحد أبناء آل مكتوم، وهي العائلة الحاكمة في الإمارة.
كانت جمعية الإصلاح تديرها وترعاها النخب الإسلامية هناك، وكان البعض يعتبرها معقل الحركة الإسلامية على مستوى دولة الإمارات.
في الحقيقة، كانت دولة الإمارات على مستوى دول الخليج متصالحة مع دينها وشخصيتها الإسلامية، وكانت يد الشيخ زايد ( رحمه الله) وافرة العطاء بدعم المشاريع الإسلأمية في كثير من بلاد العرب والمسلمين و كذلك جالياتهم المتواجدة في الدول الغربية، وخاصة في محال بناء المساجد والمدارس والمراكز الإسلامية، فضلا ًعن عطاءاته وكرمه في تقديم المساعدات الإنسانية والإغاثية للأقليات المسلمة ولشعوب الدول الإسلامية في آسيا كالهند والباكستان وماليزا وأندونيسا.
كان الشيخ زايد (رحمه الله) رمزاً للانفتاح وعنوناً للنخوة والجود والكر م.. أتذكر أن وزارة الاوقاف أقامت معرضاً للكتاب في مطلع الثمانينيات، وكان هذا أول معرض يقام هناك، وجاء الشيخ زايد وقام بافتتاح المعرض، وكنت أحد المشرفين على الترتيبات والاتصال بالناشرين لإنجاح هذا العُرس الثقافي.
لم يكن الإقبال على المعرض باهراً، مما أثار مخاوف دور النشر وخاصة اللبنانية والمصرية من احتمالية الخسارة التي تنتظرهم وبدأوا بالتذمر والشكوى.. وعندما تمّّ إخبار الشيخ زايد بذلك، كان جوابه لنا: أخبروهم بان جميع الكتب سيتم شراؤها وتوزيعها على المكتبات العامة والمدارس والجامعات بالدولة، وسيكون الجميع رابحاً ولن يخسر أحد. وهذا حقيقةً ما أبهج جميع الناشرين وأسعدهم.
كانت الحركة الإسلامية في مطلع الثمانينيات حديثة العهد بالعمل الإسلامي، إلا أن احتكاكهم بالإسلاميين في الكويت قد شجّع على محاكات التجربة في بلادهم. كانوا شباباً مسالمين، وليس للتطرف أيّ سبيل للنفاذ إلى أفكارهم، وكان حرصهم الدائم على تقديم سلوك يتسم بأخلاق الإسلام وقيمه. وكان من بين هؤلاء الذين عرفناهم الإخوة الشيخ حمد الرقيط والأستاذ أحمد صالح والدكتور سعيد حارب والشيخ صقر المري ورجل الاعمال الشيخ سعيد لوتاه وغيرهم.
كان هناك أيضا وزراء التربية والتعليم والعدل تقرأ في سيماء وجوههم وحركية سلوكياتهم ورفعة أخلاقهم انهم من هذا الجيل الذي يقال فيه "وكان في أخلاقه آية".
كان في الأمارات شيخاً يقيم في إمارة الشارقة اسمه عبدالله المحمود (رحمه الله)، وكان يمثابة مرجعية دينية لهؤلاء الشباب الإسلامي، ويحظى بمنزلة كبيرة عند شيوخ الإمارت.
لا شك أن ساحة الإمارات كانت مفتوحة أمام طالبي اللجوء للعمل، وكذلك للمعارضين والهاربين من ظلم الحاكمين في بلادهم. كانت أعداد السوريين في الإمارات ملحوظة في تلك الفترة التي شهدت مذابح للإسلامين في حماة ومطاردات لهم في كلّ بقاع سوريا أيام حافظ الأسد.
بالطبع، كان الشيخ زايد بإنسانيته (رحمه الله) متعاطفاً مع مظلومية هؤلاء السوريين، فكاتت أبواب الإمارات مفتوحة أمام من قصدوها طلباً للنجاة والأمان، فالشيخ زايد بأخلاقه ونخوته والمروءة التي عُرف بها لا يرد مظلوماً استجار به وقصد عنده السلامة.
كان يعمل بوزارة الاوقاف الداعية المعروف الشيخ عبد المنعم صالح العلي ( ابو عمار)، وكان صاحب بصمة في تربيته لهؤلاء الشباب الإسلامي، وام يُعرف عنه أنه يحمل فكراً متطرفاً، إذ كانت كتبه منصةً للأفكار المعتدلة ومنبراً للسلوكيات الدينية الحسنة والدعوة لمعالي الأمور.
كانت واحدة من العطايا التي حددت واحدة من أهم محطات حياتي هي المنحة الدراسية، التي قُدّمت لي لاستكمال دراساتي العليا في الولايات المتحدة الأمريكية، وهي أحد وجوه الكرم التي تحسب للشيخ زايد، إذ حصلنا عليها مع مجموعة من الشباب الفلسطيني والسوري والعراقي والمصري، وقد طالها أيضا د. موسى أبو مرزوق وآخرين ممن هم اليوم قادة في بلادهم.
ومن باب الوفاء والاعتراف لصاحب الفضل بفضله فإني أشهد أن للدكتور موسى ابو مرزوق أنه من مهد لنا طريق السفر إلى الإمارات للعمل بها ثم الحصول على المنحة الدراسية لاستكمال تعليمي العالي في أمريكا.
↚
صفحات من حياتي
الحلقة (4)
السفر إلى أميركا والتوقف في بريطانيا
لم تكن فكرة الذهاب إلى أميركا لاستكمال دراستي العليا تخطر ببالي في يومٍ من الأيام، إلا أن وجودي في الإمارات للعمل قد جعل الحُلم حقيقة.
كان عملي في جمعية الإصلاح والتوجيه الاجتماعي كمدير إداري، قد أتاح لي فرصة الاحتكاك بشباب الحركة الإسلامية هناك، كما أن علاقة الأخ موسى أبو مرزوق الذي كان مسؤول تنظيم الإخوان المسلمين الفلسطيني هناك، وعمق الصداقة التي جمعتني به لسنوات طويلة في رفح والقاهرة، قد سهلَّت مهمة الحصول على هذه المنحة، حيث أن وزارة التربية والتعليم التي تعطي هذه المنح كان وزيرها محسوباً على التيار الإسلامي في الإمارات، وكان الشيخ زايد بن سلطان (رحمه الله) معروف عنه السخاء والكرم، وقد كانت مساعداته وعطاياه في الخير تجوب بلاد العرب والمسلمين، وحتى الجاليات الإسلامية في أوروبا وأميركا وصلتها هذه المنح والمساعدات المالية لبناء المدارس العربية والمراكز الإسلامية، فقد أندى الرجلُ -حقيقةً- بفضائله العالمين بطون راحِ.
كان الأخ موسى قد نجح من خلال علاقاته الواسعة بالإخوة الإماراتيين في الحصول على العديد من المنح الدراسات للإخوة الفلسطينيين، وكان هو من بينهم، وسبقنا إلى أميركا ثم لحقنا به بعد عدة شهور.
وكما عهدناه كأخٍ عزيزٍ وبمنزلة الأخِ الكبير لنا في فترة الشباب مطلع الثمانينيات.
حصلت على المنحة الإماراتية لدراسة الماجستير والدكتوراه، وتجهزت للسفر بعد أن عدت بزوجتي وطفلتي الصغيرة شيراز (رحمها الله) إلى قطاع غزة. وبعد وداع الأهل والأصدقاء هناك، توجهت إلى الأردن، حيث أقلعت بي الطائرة من مطار الملكة علياء الدولي بعمان إلى العاصمة البريطانية لندن.
بعد نزولي من الطائرة في مطار هيثرو، اتصلت بصديقٍ كنت قد سبق لي التواصل معه لاستقبالي في المطار.
للأسف، يبدو أن الأخ أحمد وفي زحمة انشغالاته قد نسي موعد الطائرة مما أوقعني في حرجٍ كبير، خاصة وأن الطائرة قد وصلت بعد منتصف الليل، وأنا لم يسبق لي أن زرت لندن من قبل، وإن كنت أعرف الكثير من الأصدقاء هناك، ممن سبق لهم زيارة الإمارات لطلب المساعدة وجمع التبرعات لدعم المشاريع الإسلامية في بريطانيا.
انتظرت قرابة الساعة، مع تكرار محاولة الاتصال الهاتفي بصديقي أحمد، ولكن دون جدوى. كان احمد طالباً جامعياً يقيم أهله في الكويت .
لم تكن هذه الرحلة إلى بريطانيا هي الأولى في حياتي، فقد سبق لي السفر إلى تركيا في مطلع السبعينيات لدراسة البكالوريوس، ولدي بعض المعرفة بمشاكل السفر والغربة.
أخذت أفكر وأحاول الاتصال من ساعة لأخرى، وكان هناك بعض الأمل بأن يظهر أحمد. التمست له الكثير من الأعذار في عدم وجوده لاستقبالي بالمطار في الوقت المناسب، وقلت في نفسي: لعل سبب التأخير زحام الطرق، أو عطل في سيارته وما إلى ذلك.
أوشكت الساعة على الثالثة بعد منتصف الليل، وأخذ مني الإرهاق والتعب مأخذه، فيما بدأ النُعاس يداعب جفوني.
استوقفت شخصاً في صالة الاستقبال بدا عليه من ملامح وجهه أنه مسلم، وطلبت منه أن ينصحني ماذا أفعل في هذا المأزق، فقال: أنا سأطلب لك تاكسي أجرة يعمل عليه صديق لي من باكستان، وهو سيوصلك إلى فندق بأجرة معقولة لا تزيد عن ٤٠ جنيهاً، ويمكنك الشعور بأنك في ايدٍ أمينه.
اتصل بصديقه، وانتظر معي حتى جاء ذلك الصديق.
انطلقت بنا السيارة إلى مكان في قلب مدينة لندن، حيث أنزلني السائق امام الفندق بعدما تقاضى أجره.
قضيت ليلتي تلك والقلق يساورني، وإن كانت عيناي لم تجد طعماً للنوم في تلك الليلة.
أخذت حماماً دافئاً وتوضئت وصليت المغرب والعشاء، وانتظرت بعض الوقت حتى دخل وقت صلاة الفجر .
بعد الصلاة، أخذت أدعو الله، وأسأله أن ينير لى الطريق ويسخر لنا من يعيننا في إنجاح هذه الزيارة إذا تعذر الوصول إلى صديقي أحمد.
نزلت إلى ردهة الفندق، حيث تناولت الإفطار، وأخذت أفكر ماذا سأفعل إذا لم أعثر على أحمد؟!
عاودت الاتصال بالأخ أحمد، وقلت: لعل وعسى.. ولكن -للأسف- لا مجيب!!
ذهبت إلى موظف الاستقبال، وسالته: هل يمكنني ترك حقيبتي في الفندق لآخر النهار؟ أجاب بأدب: لا بأس يمكنك وضعها في غرفة الأمانات.
انشرحت أساريري، حيث ذهبت إلى غرفتي، وعدت أحمل حقيبتي ووضعتها بالأمانات.
غادرت الفندق مع شروق الشمس، أبحث عن صديقي من خلال العنوان الذي كان معي.
في الحقيقة، كانت لغتي الإنجليزية لا بأس بها، وبالإمكان التواصل بحيث يفهمني من أخاطبه. كنت قد استفسرت من عامل الاستقبال في الفندق عن كيفية الوصول إلى هذا العنوان، فأشار لي إلى موقع محطة القطار القريبة من الفندق، ومنها إلى المحطة التي لا تبعد كثيراً عن عنوان المكان الذي كنت أقصده، أيّ مقر المركز الإسلامي في لندن، وهو بمثابة الحاضنة لأنشطة الطلاب العرب ومكان لفعاليات أبناء الجالية الدينية والاجتماعية.
للأسف، كان هناك خطأ في العنوان، ولكنه كان خطأ بسيطاً في رقم العمارة، وكان المكان لا يبعد كثيراً عن المكان المذكور في الورقة.
كان ذلك اليوم هو يوم الجمعة، وقد لمحت شخصاً يبدو عليه أنه عربي، فاستوقفته مستوضحاً منه عن مكان المركز الإسلامي، فأشار لي أته لا يبعد كثيراً من هنا، وأخذ بيدي إليه.
وصلت إلى هناك، وكانت الساعة توشك على العاشرة صباحاً. دخلت المكان، ولكن لم يكن هناك الكثير من الناس.. وبعد حديث عما جرى لي، قالوا: إن أحمد يتردد كثيراً على المركز، ولكنَّ الوقت الآن غير مناسب، حيث الجميع يتهيئ لصلاة الجمعة، والمسجد يحتاج الوصول إليه إلى أكثر من ساعة بالقطار، وأشاروا عليَّ بالذهاب معهم، وبعد الصلاة نعود للمركز ونأتي بأحمد إليك.
استبشرت خيراً، وفعلاً جاء أحمد للمركز واعتذر لي كثيراً وأنه كان في سفرة خارج المدينة، وقد التبس عليه موعد وصولي للمطار، واصطحبني معه إلى شقته التي يقيم فيها، وطلب لنا طعاما للغداء.
تفهمت ما وقع من خطأ، وذهبنا إلى الفندق لإحضار حقيبتي.
ومع المساء، شعرت بالحاجة الماسة للنوم، وفعلا ألقيت بجسدي على الفراش من شدة التعب والإرهاق، وغطيت في سبات عميق، ولم أستيقظ حتى ساعات متأخرة من صباح اليوم التالي.
في الصباح، تناولنا الإفطار، واقترح أحمد أن نذهب للمركز الإسلامي واللقاء بالشخص المكلف برئاسته، وهو أخ سوري، وقد سبق لي استضافته في الإمارات، عندما جاء لجمع التبرعات لأنشطة المركز في بريطانيا.
تعارفنا وطال بنا الحديث، حيث أخبرته عما جرى لي في المطار، وهو يبتسم!! وقال لي: يا أخ أحمد هذا يحدث كثيراً في لندن، وكان عليك الاتصال بالمركز قبل الوصول؛ لأن لدينا آلية لخدمة ومساعدة القادمين من الطلاب أو الزائرين، حيث نقوم بتهيئة مكانٍ للإقامة وبرنامجٍ للزيارة، وقال لي بما معناه في أمثالنا الشعبية: "تعيش وتاخد غيرها".
كنا نقضي الكثير من الوقت في المركز، حيث تعرَّفت على الكثير من الطلاب العرب، وكانوا من جنسيات مختلفة هناك.
لم تكن لندن المكان الذي شدَّني للبقاء فيه، وتعجبت من أولئك الذين سبق وان تغنوا بسحره، قائلين: "يا عمّنا يا بو خليل.. لندن مرابط خيلنا".
كانت لندن تُعرف بمدينة الضباب، وقد سبق أن قرأنا عنها في أدبيات وليم شكسبير.
في اليوم التالي، أخذت قراري بتغيير موعد مغادرتي للمدينة، واختصرت الزيارة من أسبوع إلى ثلاثة أيام، وقلت لأحمد: أريد رؤية أهم معالم لندن التاريخية والسياحية، وهذا ما أريدك أن تفعله لي للتكفير عن خطأ الاستقبال.
ابتسم؛ وقال مرحباً بك، وإن كنت أريد بقائك بيننا لمدة أطول. شكرته، وقلت له: بصراحة يا أخ أحمد.. أنا نفسياً لم تعد لي رغبة بالبقاء في لندن أكثر من ذلك، وبدأ الشوق عندي يرتحل بعيداً إلى أميركا.
أخذني أحمد وذهبنا بالقطار إلى ميدان البكاديللي والطرف الأغر، وهي من الميادين الشهيرة في العاصمة البريطانية، وبعد ذلك إلى قصر باكينغهام، حيث مقر إقامة الملكة إليزبيث. في الحقيقة، استوقفني رؤية القصر والهالة التاريخية التي تحيط به، ورؤية مئات الزائرين من مختلف البلدان، يتقاطرون لمشاهدته.
وقفت اتأمل القصر وما حوله من ساحات خضراء، وهو المكان الذي ارتبط اسمه بتاريخ بريطانيا العظمى، وزيارات ملوك ورؤساء العرب للقاء الملكة اليزبت وألتقاط الصور معها هناك.
وجدت نفسي أدندن ببيت من الشعر فيه كثير من الاستخفاف بالفصر تحركت به قريحتي، فقلت: هنا سجد الطغاة مهانةً... وتذللت جبابرةُ العرب!!
كانت هذه أول زيارة لي لدولة أوروبية ارتبط تاريخها الاستعماري بقضيتنا الفلسطينية، بما يسمى وعد بلفور، وهو تاريخٌ مشؤومٌ، كنا ونحن طلاب في المراحل الابتدائية والاعدادية والثانوية نتذاكره ضمن المناسبات غير السعيدة والتي لا تُنسى أحداثها من صفحات تاريخنا إلى يومنا هذا.
لم تكن هذه الزيارة الأخيرة إلى بريطانيا، فقد قمت بزياراتٍ أخرى، ولكن في إطار مهماتٍ خاصة، كانت السياسة أحد دوافعها.
↚
صفحات من حياتي في الوطن والشتات
نصف قرنٍ مع الحركة الإسلامية
الحلقة (٥)
السفر من بريطانيا إلى أمريكا فترة الثمانينات
اتصلت بالأخ موسى أبو مرزوق في أمريكا وأخبرته عن موعد وصولي إلى مطار لوس أنجلوس بولاية كاليفورنيا، ورجوته التأكيد على من سيستقبلني بالمطار أن يكون هناك في الموعد المحدد حتى لا يتكرر معي ما حصل معي بمطار هيثرو في لندن.
وفعلاً؛ كانت الترتيبات ممتازة، إذ كان بانتظاري أخوين من مصر هما أحمد ومبروك، وكان سبق لي أن عرفت أحدهما الأخ مبروك خلال فترة عملي في الإمارات.
اصطحبني الأخوين معهما بالسيارة، وانطلقا بالسيارة إلى حيث يُقيما في أحد ضواحي المدينة بشقة ملاصقة للمركز الإسلامي (MSA)، وهو مقرٌ لرابطة الطلاب المسلمين.
قال لي الأخوين بعد أن تناولنا الطعام، وكان شهياً، إذ أكلت وارتويت: يا أخ أحمد إنَّ هذا المكان سيكون مكان سُكناك معنا، وهناك غرفة خاصة بك.
ثم شرع الأخوان أحمد ومبروك بالحديث معي وتعريفي بالمدينة وبالجامعة التي ستتم الدراسة فيها بعد الإنتهاء من المساق الخاص بتعلم اللغة الإنجليزية.
شعرت بعد وجبة الغداء الدسمة بثقل رأسي وغفوة عيوني فاستأذنت الشباب لأخذ قيلولة بعد رحلة طويلة استمرت لأكثر من عشر ساعات بالطائرة.
أخلدت للنوم عدة ساعات، وقمت بعدها للصلاة في المسجد المجاور والتابع للمركز الإسلامي.
بعد العشاء جلسنا للتعارف والحديث عن ظروف الحياة والتنقل والأكل والشرب والانتساب لمعهد اللغة وكيفية الوصول إليه، وعن وضع الحركة والتنظيم ونحو ذلك من الموضوعات المتعلقة بنمط الحياة وأشكال التواصل والتحرك بالمدينة ونحو ذلك.
كان اليوم التالي مهماً بالنسبة لي، وقد اصطحبني الأخ مبروك معه إلى حيَّ سانتامونيكا، حيث مقر معهد تعليم اللغة المعتمد لدى الجامعة.
أجرينا كل ما هو لازم لتسجيل اسمي ضم الدفعة التي باشرت للتو حضور الدروس.
اتصلت بالأخ موسى وشكرته على جهوده بخصوص الاستقبال بالمطار والإقامة مع إخوة كرامٍ في مكان بجوار المركز الإسلامي.
بدأنا التوجه بانتظام لمعهد اللغة بمنطقة سانتامونيكا؛ وهي أحد الأحياء الراقية بمدينة لوس أنجلوس، وهناك تعارفنا وانخرطنا في أحاديث تتعلق بحياتنا الاجتماعية مع قليل من السياسة، حيث كانت مُدّرسة اللغة أمريكية من أصول يهودية، و كذلك انسجمنا مع الطلاب الذين جاء الكثير منهم من بلدان أمريكا اللاتينية.
في الحقيقة، أخذنا في الاندماج بالحياة الأمريكية، وكانت أمامنا فرصٌ للانفتاح على الطلاب الوافدين مثلنا، وكنا كثيراً ما نتحدث عن تاريخ بلادنا من حيث الجغرافيا والعادات والتقاليد.
خلال فترة تعلم اللغة كانت لوس أنجلوس تُظهر لنا معالم جمالها كمدينة فيها هوليود مركز صناعة السينما الامريكية، وفيها كذلك وادي السليكون؛ رمز التقدم التكنولوجي، ومساكن المشاهير من الممثلين والممثلات.. ولكن هناك أيضاً كان الشعور بالخوف والرعب لانتشار المافيات والعصابات من أصول مكسيكيه أو من الاقلية السوداء.
كانت لوس أنجلوس من المدن المعروفة بالغلاء الفاحش، ويحتاج قاطنها إلى ميزانية كبيرة من المال لإيجاد إقامة مريحة فيها.. كانت المنحة الإماراتية عبارة عن الرسوم التعليمية التي تغطيها السفارة مباشرة للجامعة، ومبلغ آخر قيمته ٨٠٠ دولار لتغطية أجرة السكن وكلفة الطعام والشراب.
كنت طوال الوقت أفكر بأسرتي، وكيف يمكنني أن أحضر عائلتي (زوجتي وابنتي)، إذ أنَّ كلفة استئجار شقة قد لا يغطيه المبلغ الذي يعطى لنا كمنحة شهرية!!
عاودت الاتصال بالأخ الكبير ومرجعيتنا في القرار الأخ موسى، فأشار عليَّ بأن أحاول الانتقال عندهم، حيث إن كُلفة الحياة بسيطة من حيث السكن والمعيشة.
استطابتني الفكرة، وبدأت العمل عليها.. كان يتوجب عليَّ أولاً إنهاء فترة تعليم اللغة والحصول على قبول آخر بجامعة كلورادو (CSU) بمدينة فورت كولينز، والتي تبعد عن مدينة دنفر بحوالي ٧٠ ميلاً.
خلال فترة تعلم اللغة، انطلقت في التعرف على كنوز المدينة السياحية، فكانت هوليود أول محطات الاستكشاف، حيث شددنا الرحال إلى هناك مع صديق لي يعرف هذا العالم جيداً.. تحركت وصديقي في رحلة بالباص أخذتنا من الصباح الباكر إلى المساء.
دخلنا عوالم هوليود الساحرة، وتعرََّّفنا على مواقعٍ لأفلام سينمائية كنا تمتعنا بمشاهدتها.
قضينا هناك أربع ساعات نُقلب النظر في أشكال الخدع السينمائية المختلفة.
أخذتني أقدامي إلي أهم الشوارع الشهيرة بالمدينة ومقرات الجامعة التي كان من المفترض الدراسة فيها.
ومع انتهاء الفصل الدراسي بمعهد اللغة والذي استمر لمدة ستة شهور، وجهت لنا المدرسة دعوةً لمشاركتها الطعام في بيتها، واشترطت علينا أن يُحضر كلُّ واحد منَّا طبقاً من الطعام المشهور في بلده.
كانت (طنجرة المقلوبة) من أطباقنا الفلسطينية المشهورة، لذا قُمت بإعدادها وطهيها في حَلَّة صغيرة، وذهبت بها إلى حفلة الوداع في منزل المُدرسة.
كان طبق المقلوبة هو حديث المشاركين جميعاً فالكلّ كان يسأل عن المكونات وكيفية الطبخ. استمتعنا بتذوق مختلف أنواع الطعام، وتعانقنا ونحن نودع بعضنا البعض.
غادرت لوس انجلوس بعد حفلة وداع اخرى أقامها لنا إخواننا بالمركز الإسلامي.
في اليوم الموعود لسفرنا، حزمت حقيبتي وتوجهت للمطار بسيارة أجرة، قاصداً الطائرة المتجهة إلى مطار دنفر بولاية كلورادو، وهناك كان في استقبالنا الأخ موسى، الذي اصطحبنا بسيارته إلى بيته بمدينة فورت كولينز التي تقع جنوب دنفر بسبعين ميلاً.
كان الأخ موسى وكعادته في الكرم، قامت زوجته الأخت (أم عمر) بإعداد وجبة الغداء لنا، حيث تناولها مع بعض الإخوة الفلسطينيين المقيمن في نفس المكان (Campass).
كان الأخ موسى (أبو عمر) قد رتَّب لي أوراقي الخاصة بالقبول بالجامعة ومحل الإقامة بالسكن الداخلي، وكان له كلُّ الفضل بمساعدتي أيضاً بإحضار زوجتي للإقامة معي بعد شهرين من وصولي للمدينة والتحاقي بالجامعة.
في فورت كولينز كانت تحركاتنا تقتصر على الجامعة والصلاة بالمسجد وخاصة الفجر والمغرب والعشاء.
كان المسجد هو بمثابة المركز الإسلامي الذي يحتضن كلّ أنشطتنا الدينية والاجتماعية، وكنّا حقيقةً مجموعة من الطلاب العرب من ليبيا ومصر والعراق وفلسطين والسعودية.
كان الطلاب السعوديون أغلبهم من التيار السلفي، والفلسطينيون والمصريون من التيار الإخواني، والعراقيون ينتمون لحزب البعث.
ومن باب الأمانة، كان الطلبة القادمين من السعودية أصحاب فضلٍ كبير في جلب الأموال لبناء المساجد والمراكز الإسلامية، وكان الكثير منهم وعلى رأسهم الأخ صالح بادحدح في سلوكياتهم أقرب للوسطية والبعد عن التطرف، وكنا نشعر بأننا "دعاة لا قضاة" وأصحاب رسالة نؤديها بالحكمة والموعظة الحسنة، وشعارنا هو عرض الإسلام في سياق الدعوة بالقدوة الحسنة.
كان الأخ موسى هو المسؤول الأول عن التنظيم الفلسطيني، ولكنه نجح في إقامة علاقات أخوية مع الجميع في المدينة من إسلاميين ( سلفيين وإخوان) وغيرهم من (بعثيين وناصريين).
في مطلع الثمانينيات، بدأت الدراسة في كلية الهندسة تخصص تقنية صناعية، وكان معنا بالجامعة الإخوة موسى أبو مرزوق وكمالين شعت وإسماعيل أبو شنب، ولكن بتخصصات هندسية أخرى، وكانت تجمعنا في فصل واحد بالجامعة بعض المساقات الدراسية.
كانت جامعة كولورادو (CSU) واحدةً من الجامعات المرموقة والمشهود لها في مجال الدراسات الهندسية.
كانت سنوات وجودنا في مدينة (فورت كولينز) من أفضل الفترات التي عشناها كطلاب دراسات عليا في أمريكا على المستويين التعليمي والأخلاقي.
بعد عدة شهور إنشغلنا فيها بترتيب أمور حياتنا الدراسية والمعيشية، شرع الأخ موسى في هيكلة تنظيمنا الفلسطيني، وربطه بواجهات العمل الإسلامي الأخرى من خلال المؤسسات التي كانت تدير أوضاع الطلاب الوافدين أو الجاليات العربية والإسلامية، وكان على رأس هذه المؤسسات رابطة الشباب المسلم العربي (MAYA)، وهي تجمع انبثق وتوسع من رحم رابطة الطلاب الكويتيين.
فمع ازدياد أعداد الطلاب ذوي الخلفيات الإسلامية، وجد جيل الرعيل الأول من الإسلاميين في امريكا، أمثال د. طارق سويدان ضرورة توسعة هذا البنيان التنظيمي، وفتح أبوابه داخل إطار أوسع بكثير من تجمعٍ بسيط لعشرات الطلاب من بلد واحد.
كان التنظيم الإخواني تلتقي قياداته في بعض المناسبات والأنشطة الطلابية، مثل: رابطة الطلاب المسلمين (MSA)، ورابطة المجتمع الإسلامي في شمال أمريكا(ISNA) وهما تجمعان إسلاميان يغلب على وجوه المنتسبين منهم أنهم من جنسيات إسلامية تعود في أصولها إلى الباكستان وماليزيا وأندونيسيا وإيران وغيرهم، وهذا ما شكل دافعاً للإخوة من بلدان عربية مثل: مصر والعراق وليبيا وفلسطين والسعودية، بالتوجه لتأسيس هذا التجمع الطلابي الكبير، ويباشروا من خلاله كتنظيم إخواني إدارة تحركاتهم الإسلامية، وقاموا بإصدار مجلة (الأمل) كمنبر إعلامي يعبر عن هويتهم وواقعهم المعاش في وطن الاغتراب، وكذلك التحضير للمؤتمر السنوي الذي يعقد عادة في فترة أعياد الميلاد، حيث يتقاطر إليه الآلاف من هؤلاء الطلاب وعائلاتهم وأصدقائهم للمشاركة فيه، والذي تستمر فعالياته لمدة أسبوع من الأنشطة الفكرية والثقافية والترفيهية، ويُدعى للمؤتمر من خارج أميركا الكثير من الشخصيات الإسلامية والدعوية، وخاصةً التي لمعت سيرتها في سجل مشاهير الدعاة، أمثال: الأستاذ عمر التلمساني مرشد الإخوان في مصر، والشيخ مصطفى مشهور والشيخ عبد المتعال الجبري والشيخ يوسف القرضاوي (مصر)، والشيخ أحمد القطان والشيخ محمد الأشقر (الكويت)، والدكتور عبدالله بن عمر ناصيف (السعودية)، والشيخ عمر الأشقر والشيخ أحمد نوفل والشيخ محمد أبو فارس والشيخ عبدالله عزام (الأردن)، والشيخ محمد أحمد الراشد (العراق)، والأستاذ فتحي يكن والشيخ فيصل مولوي والأستاذ إبراهيم المصري (لبنان)، والشيخ حسن الترابي والشيخ جعفر شيخ إدريس، والأستاذ الحبر يوسف نور الديم (السودان)، والشيخ محفوظ النحناح (الجزائر)، والشيخ راشد الغنوشي والشيخ عبد الفتاح مورو (تونس)، والشيخ عبد المجيد الزنداني (اليمن) والأستاذ محمد يتيم والأستاذ عبدالله بن كيران والمقري الإدريسي (المغرب)، والشيخ عبد الفتاح أبو غدة والأستاذ على البيانوني ( سوريا)، والشيخ يونس البلالي والأستاذ عبدالله أبو سنّة (ليبيا) والشيخ محمد صيام والشيخ عكرمة صبري (فلسطين) وغيرهم.
كان حرص الإخوة في اللجنة التحضيرية للمؤتمر وخلال فترة الإعداد له باعتباره المهرجان السنوي للرابطة، اختيار أفضل وأشهر الشخصيات الإسلامية في المجال الدعوي للمشاركة في ندواته الفكرية والثقافية، وكان الإخوة في سياق الترتيبات يتوخون اختيار كلّ عام مدينةٍ أمريكيةٍ مختلفة، وشخصيات دعوية متنوعة، لإرضاء جمهور الحضور من الطلاب العرب وعائلاتهم.
كان السفر للمؤتمر والإعداد له أشبه بالسفر إلى الحج، وكنت أذكره في سياق التغطية الإعلامية على أنه "حجٌ غُربة؛ مشاعرٌ لا شعائر".
كان الطلاب يستأجرون الحافلات والسيارات، ويأتون زوروفات ووحدانا تشدُّ رحالها إلى المؤتمر في ظل أوضاعٍ جويةٍصعبة، حيث كان الصقيع والثلوج التي تغطي ببياضها الطرقات والسهول والجبال المحيطة بها هي
أهم معالمها.
في الحقيقة، كانت هذه السنوية لهؤلاء الطلاب هي الرحلة الأهم في حياتهم وحياة نسائهم وأطفالهم، وهي لكثير منهم ليست فقط للإستماع للمحاضرات الدعوية والفكرية فقط، بل أيضاً (لقاء الأحبة)، وفرصةً للاجتماع بإخوانهم من بلدانهم الأصلية والمنتشرين في طول وعرض الولايات الأمريكية بمدنها وجامعاتها المختلفة.
وعليه؛ كان هذا المؤتمر يمثل بالنسبة لهم "فرصة التلاقي" كابناء وطن واحد وتنظيم واحد، لترتيبِ أمورهم الخاصة، والتعرف على ما يشغلهم من مشاكل، وسبل التنسيق والتواصل بينهم.
كان المؤتمر منبراً للفكر والثقافة، وأيضا كسوقٍ للمنتجات العربية، من موادٍ تموينية وملابسٍ شرعية كالحجاب ومستلزماته كالجلابيب وغطاء الرأس، كما أنَّ المؤتمر أيضاً كان يمنح البعض فرصة لاختيار شريكة العمر من بلده أو بلد عربي آخر.
لا شك بأننا كنا نعود بشعورٍ وكأننا أدّينا فريضة الحج، في بلادٍ مترامية الأطراف والمسلمون فيها قلةٌ، وتطاردهم وساوس الخشية والمخاوف على أولادهم وبناتهم من الغرق في وحل السلوكيات اللاأخلاقية، التي هي بشكل عام طابع الأخلاق في أمريكا والدول الغربية.
كانت تجمعنا كفلسطينيين بالإخوة المصريين والأردنيين صداقةٌ خاصة، حيث إنَّ أغلبنا قد تلقى تعليمه الجامعي إما في مصر أو الأردن. ولذلك، كانت قيادات هذه التنظيمات الإسلامية لها ملتقيات ومناشط خاصة، فرضت عليها للحفاظ على قوتها التنظيمية وتماسكها أن تنسق تحالفاتها مع بعضها البعض، والقيام بإجراء انتخابات لاختيار أميرٍ عامٍ للجماعة الإخوانية على مستوى الفضاء الأميركي ككل.
كان الأخ موسى أبو مرزوق من أبرز الوجوه الإسلامية آنذاك، والذي كان يتمتع بعلاقاتٍ متينةٍ مع قيادات التنظيم المصري والكويتي والأردني.
كان الأخ أحمد مكي (رحمه الله)؛ وهو سوداني الجنسية، ومقرَّب من د. حسن الترابي، هو من يقود تنظيم الإخوان المسلمين على مستوى الساحة الأميركية.. كان الأخ أحمد مكي يحظى بدعم التنظيم السوداني وأغلب كوادر التنظيم الليبي والتونسي، وقد انعكست خلافات الدكتور حسن الترابي (رحمه الله) مع الإخوان المصريين على علاقاتنا التنظيمية في أميركا، مما جعل الإخوة في التنظيم المصري بأميركا يشكلون تحالفاً مع الإخوة في التنظيم الفلسطيني والأردني والكويتي لاستبداله بسبب ميوله لأفكار وتوجهات د. الترابي بشخصٍ آخر من مصر وهو الدكتور أحمد القاضي (رحمه الله)، وهذا ما تحقق في أول انتخابات جرت بعد تصاعد الخلاف مع د. الترابي وقيادة الإخوان العالمية.
ولعلي لا أنسى ذلك اليوم الذي جاء فيه الأخ أحمد مكي لمعاتبتي، واتهامي بأنني منحاز في كتاباتي إلى جانب معارضيه في الحركة، وطلب مني كرئيس تحرير (النشرة الداخلية) للحركة بوقف إصدارها.
كنا في ذلك الوقت من منتصف الثمانينيات، قد نضجنا فكرياً وحركياً ودعوياً، وتوطدت علاقاتنا بالآخرين، ونجحنا في تشكيل رافعةً وطنية ودينية لمؤسسة جديدة تُعرف باسم الاتحاد الإسلامي لفلسطين (IAP)، والتي سبق تأسيسها وجودنا في أميركا بسنةٍ واحدة تقريباً.
كان الإخوة المؤسسون لهذا الاتحاد هم الدكتور سامي العريان والدكتور إسماعيل الفاروقي (رحمه الله) والشيخ محمد الحانوتي والأستاذ عمر الصوباني (رحمه الله)، وهم طلائع هذا الحراك الفلسطيني الواسع في أمريكا، وتعتبر الجالية الفلسطينية -آنذاك- من بين أكبر الجاليات العربية في القارة الأمريكة، وكان الهدف من فكرة إنشاء هذا الاتحاد هو العمل من أجل فلسطين شعباً وقضيةً وجالية.
كانت هذه الفترة من منتصف الثمانينيات فيها الكثير من التحديات على المستويين الفلسطيني والإخواني، ولكن حكمة الأخ موسى أبو مرزوق ومن معه، قد نجحت في التغلب على ما هناك من خلافات ومشاكل وتخطي صراعات تلك المرحلة بأقل الخسائر، والنجاة بالتنظيم الإسلامي باتجاه الوسطية والتعايش، رغم الخلاف الناشىء بين ما كان يطرحه د. الترابي من رؤيةٍ وتوجهات وما عليه رؤية الإخوان المصريين.
أنهينا دراستنا الجامعية، حيث حصلت على درجة الماجستير، وكان علينا أن نفكر في مكانٍ آخر يمنحنا فرصةً للعمل والاستمرار في تحصيل دراساتنا العليا في جامعةٍ أخرى. (وللحديث بقية)
↚
صفحات من حياتي
في الوطن والشتات
نصفُ قرنٍ مع الحركة الإسلامية
الحلقة (6)
العودة للوطن والتفاعل الوطني في الإنتفاضة (1987-1989)
بعد حصولي على شهادة الماجستير الثانية في الإعلام الدولي من جامعة ميزوري- كولومبيا، أخذت قراري بالعودة للوطن، والبحث عن وظيفة بأحد الجامعات الفلسطينية هناك. وبلفتةٍ كريمة من الأخ موسى أبو مرزوق والأخ د. خيري الأغا (رحمه الله)؛ رئيس مجلس أمناء الجامعة الإسلامية، أشارا عليَّ بالتوجه إلى الجامعة في غزة، والعمل مع إدارتها لفتح قسمٍ لتدريس مادة الإعلام الدولي من صحافة وتلفزيون .
غادرت أمريكا إلى قطاع غزة، وكانت واجهة غزة وساحاتها قد تغيَّرت عليَّ كثيراً، فالحِراكات الشعبية ومظاهر الإنتفاضة كانت مفاجأة لي، كما إن الكتابات الجدارية (الجرافيتي) قد فرضت نفسها على كلِّ الجدران تحمل شعارات نضالية وتعبيرات تطالب برحيل الإحتلال والحرية لشعبنا.
كانت أول زيارة لي هي لبيت الشيخ أحمد ياسين (رحمه الله) في منطقة الصبرة بمدينة غزة، لوضعه في صورة عملنا الإسلامي بأمريكا، وبعض التوصيات بخصوص الانتفاضة، والتي حملتها معي من عمان، بعد لقائي هناك بشخصيات قيادية في حركة حماس، وكذلك بالمهمة الأكاديمية المتعلقة بعملي في الجامعة الإسلامية.
للأسف، عند توجهي للجامعة واللقاء برئيسها د.محمد صيام، حيث نقلت له توصية د.خيري الآغا بفتح قسم للإعلام بالجامعة، وتولى أمر التأسيس واختيار الشخصيات الأكاديمية المقترحة للعمل بالقسم.
كانت تجمعني بالدكتور صيام صداقات قديمة تعود إلى فترة عملي بالإمارات، وأيضاً خلال سنوات تواجدي في أمريكا، حيث كان أحد المتحدثين الدائمين في مؤتمرات الرابطة (MAYA) والاتحاد الإسلامي لفلسطين (IAP).
بعد جلسة هادئة في مكتبه وترحيب، وبحسّه الفكاهي المعهود، قال د. صيام: يا أخ أحمد.. أهلاً وسهلاً بك، ويسعدنا ما جئت به، لكنَّ المشكلة أنَّ الجامعة مغلقة أبوابها بأمر عسكري من الاحتلال، ولا يمكننا عمل شيء حتى يتم رفع هذا الحظر.
كانت توقعاتي أن الانتفاضة قد لا تطول فعالياتها، وربما تتوقف خلال شهر أو شهرين، ونمضي إلى ما جئنا من أجله.
لم يكن أمامي من خيار إلا الانتظار، إلا أن بلاغاً
وصلني من جهاز الأمن الداخلي الأسرائيلي (الشاباك) بالمدينة يطلب مني المثول أمامه في مقر الإدارة المدنيَّة.
بعد اللقاء الأول مع المسؤول الامني بالجهاز، وطرح الكثير من الأسئلة، بهدف معرفة توجهاتي الفكرية والدينية، تمَّ حجز جواز سفري والطلب مني المثول يومياً في مقر الجهاز من الصباح حتى المساء.
وعليه؛ استمريت في القدوم إلى المقر من التاسعة صباحاً وحتى قرب مغيب الشمس، حيث يبدأ توقيت (منع التجوال) دون مقابلة!! قررت عدم الذهاب، وانتظار ما سيحدث.. لم يراجعني أحد قرابة أسبوعين، وبعدها جرى استدعائي مرة ثانية إلى مقر الجهاز، وكانت كلمة المسؤول هناك أن جواز سفري سيبقى محتجزاً عندهم، ولن يسمحوا لي بالعودة إلى أمريكا إلا إذا كنت متعاوناً معهم.
بعد هذه التهديدات، استشرت محامي حول ما يتوجب عليَّ أن أفعله، لاستعادة جواز سفري؟ أشار علىَّ المحامي عبد الكريم شبير (رحمه الله) برفع قضية بالمحكمة الإسرائيلية مطالباً باستعادة جواز سفري.
كانت كلمات المحامي واضحة ليّ: طالما أنَّ الجهاز الأمني لا يملك أدلة اتهام أو إدانة ضدي، فإن المحكمة ستصدر قراراً يُلزم الشاباك بتسليمي الجواز، وهذا هو ما قمت بفعله، فاستلمت الجواز، وصارت الطريق ممهدة لسفري لأمريكا، حيث كنت أملك (فيزا طالب) تؤهلني للعودة إلى الجامعة، حيث سبق لي التسجيل في جامعة ميزوري لدراسة الدكتوراه في قسم التاريخ.
خلال فترة إقامتي في غزة ومع تصاعد فعاليات الانتفاضة، وجدت نفسي منخرطاً في بعض الفعاليات التنظيمية، وخاصة في المجال الإعلامي والسياسي.
لم أكن بعيداً عن بعض الأسماء داخل الصف الإسلامي، أمثال: الشهيد م. إسماعيل أبو شنب (رحمه الله)، والمهندس عماد العلمي (رحمه الله) والأخ الشهيد صلاح شحادة (رحمه الله) والدكتور محمود الزهار وغيرهم.
بدأت أتحرك بين الضفة وقطاع غزة لإنجاز مهمات ذات علاقة بالانتفاضة، كما قمت بزيارة إلى مدينة أم الفحم، للالتقاء والتعارف ببعض وجوه الحركة الإسلامية هناك، والذين سبق لعددٍ منهم زيارتنا في غزة .
في زيارتي للضفة الغربية، كنت أحرص على الصلاة في المسجد الأقصى واللقاء ببعض الإخوة هناك، كالمهندس حسن القيق (رحمه الله) والشيخ جميل حمامي (رحمه الله) والدكتور عدنان مسودة (رحمه الله) والأخ حسن يوسف وآخرين.
بعد قرابة العام من مغادرتي أمريكا، لحقت بي زوجتي وأولادي. في الحقيقة، عايشت الكثير من وقائع الانتفاضة في قطاع غزة، إذ كنت أقضي معظم وقتي خارج البيت، ولا أعود إلا في ساعاتٍ متأخرة من الليل.
في قطاع غزة، التزمت منهجية التحرك بسرية تامة، فالعملاء -للأسف- كانوا في كلِّ مكان، ويرصدون تحركات النشطاء، بل ويراقبون منازلهم على مدار الوقت.
أدركت بعد قرابة العام ونصف العام، أن البقاء في قطاع غزة والتحرك في دائرة الإسلاميين المعروفيين بإنتمائهم التنظيمي كقيارات حمساوية، سوف يلفت الأنظار لتحركاتي، خاصة وأن الجامعة ما زالت مغلقة بالأمر العسكري، وليس هناك ما يشير بقرب عودة الدراسة فيها.
بعد إستعادة جواز سفري، حجزت للسفر إلى أمريكا، أملاً في استكمال دراستي للدكتوراه، وبعد ذلك يمكن العودة من جديد إلى غزة، والعمل بالجامعة.
ودعت إخواني في القطاع، وسافرت عبر مطار اللد (بن غوريون) إلى مدينة شيكاغو بولاية إللينوي، حيث كان الأخ أبو مرزرق يقيم هناك مع عائلته، وكان هو من يتصدر قيادة التنظيم الإخواني الفلسطيني، إضافة إلى بعض واجهات العمل الإسلامية الأخرى.
كانت مدينة شيكاغو هي القلب النابض بالحياة للجالية الفلسطينية هناك، سواء في شمال المدينة أو جنوبها، إذ كانت هناك أحياء يغلب على المقيمين فيها أصولهم الفلسطينية.
كانت لنا في شيكاغو وسنوات وجودنا فيها الكثير من الحكايا والأحداث، سنعرض لبعضٍ منها لأهميتها وطرافتها.
وللحديث بقية
↚
صفحات من حياتي
في الوطن والشتات
نصف قرن مع الحركة الإسلامية
الحلقة (٧)
السفر إلى شيكاغو.. قلب الجالية الفلسطينية والعمل الإسلامي
(١٩٨٩-١٩٩١م)
تعتبر شيكاغو هي المدينة الأكبر للجالية الفلسطينية، حيث يقطنها -آنذاك- أكثر من ربع مليون شخص، تعود جذور الغالبية منهم للضفة الغربية، ويعمل الكثير منهم في التجارة (البقالة)، وأن جيل الأبناء قد تخرَّج الكثير منهم من المعاهد والجامعات الأمريكية، وانخرطوا في العمل السياسي والإعلامي ضمن واجهات ومنابر تمثل الهوية العِرقية والدينية للعرب الأمريكيين.
إن من أشهر هذه المؤسسات العاملة كلوبيات لخدمة مصالح الجالية العربية بشكل عام:
- جمعية العرب الأمريكيين لمناهضة التمييز (ADC)
- المؤسسة الوطنية للعرب الأمريكان (NAAA)
- الاتحاد الإسلامي لفلسطين (IAP)
- الجمعية الإسلامية في أمريكا الشمالية (ISNA)
- مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية
(CAIR)
- المسلمون الأمريكان من أجل القدس (AMJ)
تعمل معظم هذه المؤسسات في العاصمة واشنطن؛ باعتبارها عاصمة السياسة ومركز عمل اللوبيات، ولكن ثقل تحركاتها في المدن والولايات، مثل: شيكاغو/ولاية ايلينوي، وديترويت/ميتشجان.
كانت إقامتنا في جنوب شيكاغو، وتفرغت في المدينة للعمل الفلسطيني والإسلامي.
في المدينة المكتظةبسكانها السود من أصول أفريقية (AfroAmerican), استحوذت التزامات
العمل على كلِّ وقتي، حيث كان مقر العمل ومحل السكن في نفس المبنى، والذي لا يبعد كثيراً عن المركز الإسلامي جنوبي المدينة.
كان الشيخ جمال سعيد؛ أردني الجنسية ومولود بمدينة أريحا الفلسطينية، هو إمام المسجد الأكبر على مستوى الولاية والأهم بالمدينة، وأحد وجوه وأعيان الجالية العربية المعروفين فيها.
كان الأخ د. موسى أبو مرزوق هو المُوجّّه الأول لأنشطتنا الثقافية والإغاثية الإنسانية والدعوية الفلسطينية والإسلامية، وكان قد حظي بمكانة القيادة لمجموعاتنا الفلسطينية بعناوينها الحركيَّّة والإنسانية، إضافة لأمانة المسؤولية عن متابعة شؤون الحركة الإسلامية على الساحة الأمريكية.
ومن الجدير ذكره، أنَّ عملية إحياء المناسبات الفلسطينية والدينية كانت تجد لها حضوراً واسعاً في مساجد المدينة، وخاصة بالمركز الإسلامي
بمنطقة (Bridgevlew)، وكانت الفرص الاجتماعية لالتقاء الوجوه من شخصيات الجالية الفلسطينية والسورية والمصرية والأردنية والليبية كثيرة، إذ كانت شيكاغو هي من أكثر الأماكن على الساحة الامريكية حيوية، وقد شهدت ساحتها إنعقاد العديد من المؤتمرات الإسلامية والفلسطينية.
وفي سياق توقعاتنا لأهمية المدينة والجالية الكبيرة فيها، قمنا خلال فترة إقامتنا فيها بإنشاء مركز أبحاث فلسطيني وتطوير مجلة (فلسطين الغد)، التي كنت رئيساً لتحريرها، وكانت تصدر شهرياً، ويتم توزيعها باشتراكات على أبناء الجالية الفلسطينية وطلاب الجامعات.
وأيضاً كانت هناك نشرة (السواعد الرامية)، التي نصدرها لتغطية أحداث الانتفاضة الفلسطينية ويتم توزيعها مجاناً على أبناء جاليتنا في المدينة.
ومن بين وجوه نشطاء الجالية من الفلسطينيين الذين عملوا معي كمتطوعين في المجلة: الأستاذ إسماعيل جابر والأستاذ صلاح داود والاستاذ زياد حمدان، وكانوا نِعم من شدَّ أزري ووقف إلى جانبي لانجاح هذا المنبر الإعلامي والصرح الثقافي.. ومن بين شخصيات المدينة ورجالاتها كذلك: د. علي مشعل؛ أول من تولى رئاسة الاتحاد الإسلامي لفلسطين، ثم انتخب من بعده الأستاذ رفيق جابر. ومن بين أعلام الجالية العربية وشخصياتها المرموقة الشيخ أحمد زكي من أصول مصرية، وهناك أيضاً من الإخوة السوريين د. بسَّام عثمان والاخ د. عبد الرحمن أمين. وهناك من السعو.ية، الناشط في مجال العمل الإسلامي الأستاذ يزن السعدون، والاخ محمد الحريزي والإعلامي فضيل الأمين من ليبيا، وغيرهم.
وبعد سنتين من الإقامة والعمل الدؤوب في شيكاغو، أدركنا أنها مدينةٌ للاقتصاد والتجارة، وأنَّ السياسة التي نتطلع لها بحركيتها وتأثيرها هي في العاصمة واشنطن، حيث البيت الأبيض والكونغرس (البرلمان الأمريكي بمجلسي النواب والشيوخ) ومراكز الدراسات والأبحاث (Think-tanks) ومقرات اللوبيات والجمعيات العربية واليهودية.
وكعادته في وعيه السابق لزمانه، شرع د. موسى أبو مرزوق في تأسيس مركز أبحاث ٍ كمقر لعملنا الفلسطيني والإسلامي في العاصمة الأمريكية واشنطن، فأخذنا نتهيء للرحيل لوجهتنا الجديدة، حيث صخب السياسة والإعلام.
ظلت اجتماعيات شيكاغو بأنشطتها الفلسطينية والإسلامية لا تغيب عن الذاكرة، وخاصة أنَّ كلَّ شيءٍ بنكهة فلسطينية كنَّا نجده في أسواقها ومحلاتها التجارية.
من ذكريات شيكاغو العزيزة على قلبي، صدور ثلاثة كتب لي فيها:
الأول؛ الانتفاضة الفلسطينية.. الانطلاقة وآفاق المسير
الثاني؛ الشيخ أحمد ياسين.. الظاهرة المعجزة وأسطورة التحدي
وهذا الكتاب أعيد نشره في العديد من الدول العربية.
الثالث؛ الحركة الإسلامية داخل الخط الأخضر.. تحديات الواقع وآفاق المستقبل
(وللحديث بقية)
↚
(وللحديث بقية)
صفحات من حياتي
في الوطن والشتات
نصف قرن مع الحركة الأسلامية
(الحلقة ٨)
في واشنطن العاصمة.. الحياة بنكهة العمل والتحدي
في عام ١٩٩١، انتقلت مع عائلتي من شيكاغو إلى واشنطن العاصمة، وكان قد سبقنا إلى هناك د. موسى أبو مرزوق، حيث تجاورنا بالقرب من دار الهجرة؛ والتي هي بمثابة المركز الإسلامي للجالية، وتقع في مدينة (Falls Church) بمنطقة واشنطن الكبرى.
بدات رحلتنا مع العمل السياسي والإعلامي والكتابة الفكرية والتنظير السياسي للقضية الفلسطينية.
كانت واشنطن هي حاضرة السياسة والإعلام، وكلُّ ما يدور من جدل حول العالم إلا وتجد له منبراً فيها، مما فتح لنا الكثير من منصَّات التواصل، لنقل قضيتنا إلى الجامعات ومراكز الأبحاث والساحات الأمريكية، عبر الكتابات واللقاءات التي كُنَّّا نُجريها في لقاءاتنا الحوارية بمؤسسة (UASR)، وأيضاً عبر التظاهرات الاحتجاجية أمام البيت الأبيض أو السفارة الإسرائيلية.
كانت واشنطن محطَّ رحال الكثير من الشخصيات الإسلامية والعربية الرسمية والدعوية، وكُنَّا عادةً ما نستضيف البعض منهم
في مؤسستنا لجلسة نقاش وتعارف على طريقة (المائدة المستديرة)، ومن بين الشخصيات التي زارت المؤسسة وشاركتنا الحوار: القيادي في الحركة الإسلامية التونسية الشيخ راشد الغنوشي، والمعارض والرئيس التونسي السابق د. منصف المرزوقي، والمفكر المصري د. عبد الوهاب المسيري، والإعلامي السعودي د. عبد القادر طاش، ورئيس حركة المبادرة الفلسطينية د. حيدر عبد الشافي، والقيادي الحمساوي د. محمد الخضري، والبروفيسور ورئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان، والرئيس التركي السابق د. عبدالله غول، ورئيس حركة مجتمع السلم (حمس) الشيخ محفوظ النحناح، والوزير الجزائري د. عبد الحميد الإبراهيمي، والداعية الإسلامي المغربي المقرئ الإدريسي، والوزير اليمني القيادي في حزب الإصلاح محمد اليدومي، والنائب المغربي عبدالله بن كيران، والشيخ المجاهد عبدالله عزام، وغيرهم.
إنَّ من أهم المؤسسات الإسلامية وأشهرها التي كانت تربطنا بها علاقات تعاون في منطقة واشنطن، يأتي المعهد العالمي للفكر الإسلامي (IIIT)،
والجمعية الأمريكية الإسلامية (AMS)، ومجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية (CAIR) .
لقد أسهم وجودنا في واشنطن ومشاركتنا في حضور الكثير من المؤتمرات وجلسات النقاش في مراكز الأبحاث، التي تعجُّ بها العاصمة الأمريكية، وهو ما أسهم في الارتقاء بوعينا السياسي، وإدراكاتنا
لكيفية نسج العلاقات مع الآخرين من الأمريكان.
ومن المؤسسات التي كُنَّا نحرص على حضور أنشطتها واستضافاتها للشخصيات السياسية مؤسسة (RAND)، ومعهد الشرق الاوسط (MEI)، كما أنَّ قُرب جامعات عريقة مثل: جورج تاون وجورج ميسون، وهوارد، وكذلك الجامعة الأمريكية، أتاح لنا فرص الاستماع والاستمتاع بالكثير من الأنشطة واللقاءات التي تحمل عناوينها إشارات للشرق الأوسط وقضايا العالم الإسلامي.
في الحقيقة، كان وجودنا في العاصمة الأمريكية واشنطن قد هيئ لنا فرصاً كثيرة لأن نلتقي العديد من أعضاء الكونغرس (البرلمان)، وفتحَ لنا كذلك بابَ البيت الأبيض في عهد الرئيس السابق بيل كلنتون، كما نجحنا في تشبيك علاقات مع مفكرين وبرلمانيين وسياسيين، والفضل في ذلك يعود للأستاذ عبد الرحمن العمودي؛ رئيس المجلس الإسلامي الأمريكي (AMC)، والسيد جيم زغبي؛ مدير المعهد العربي الامريكي (AAI) .
إنَّ من بين الشخصيات الأمريكية التي حظيت باحترام كبير بيننا البروفيسور جون اسبوسيتو، رئيس مركز التفاهم الإسلامي المسيحي (MCUC) بجامعة جورج تاون، والسيد غرهام فولر؛ الباحث والخبير في شؤون العالم الإسلامي بمؤسسة (RAND)، وكذلك السيد جيم موران عضو الكونغرس عن الحزب الديمقراطي.
إضافة لكلِّ من ذكرنا من الشخصيات، فإن هناك شخصيات عربية أو أمريكية من أصول إسلامية أو أفروأمريكية، قد تركت لها بصمة وأثر على الخريطة الدعوية لانتشار الإسلام في شرق القارة الامريكية وغربها، ومنهم:
- د. جمال برزنجي (العراق)
- د. سيد سعيد (كشمير)
- د. عبد الحميد أبو سليمان (السعودية)
- د. محمد الجغليط (سوريا)
- الشيخ طه جابر العلواني (العراق)
- د. سامي العريان (فلسطين)
- الأستاذ نهاد عوض (الاردن)
- الشيخ محمد المزين (فلسطين)
- د. أنور حجاج (فلسطين)
- إمام شاكر السيد (مصر)
- د. صالح إنصيرات (الاردن)
- د. بسام الإسطواني (سوريا)
- د. كلوفيس مقصود (لبنان)
- د. هشام الطالب (العراق)
- د. ياسر صالح (الأردن)
- د. طارق سويدان (الكويت)
- د. عماد الدين أحمد (فلسطين)
- الشيخ محمد العاصي (سوريا)
- د. فتحي الملكاوي (الأردن)
- الشيخ محمد الحانوتي (فلسطين)
- الأستاذ علي أبو زعكوك والأخوين د. عصام ومحمد عميش (ليبيا)
- د. أسامة أبو ارشيد (الأردن)
- د. خليل دهلوي (السعودية)
- الناشط خالد ترعاني (سوريا)
- د. حسَّان حتحوت؛ رئيس المركز الإسلامي بمدينة لوس أنجلوس في ولاية كالفورنيا.
- الشيخ محمد المزين؛ إمام المركز الإسلامي في مدينة ( باترسون) بولاية نيو جرسي،
وغيرهم. أما من كانوا يتصدرون مشهد الدعوة من المسلمين السود فكان أبرزهم: -إمام وارث الدين محمد؛ رئيس جماعة (البلاليون)، ويقيم بمدينة دُترويت.
-السيد لويس فرخان؛ رئيس جماعة (أمَّة الإسلام)، ويقيم بمدينة شيكاغو.
- إمام سراج وهاج؛ رئيس المركز الأسلامي بمنطقة نيويورك.
- إمام مهدي إبراهيم، ويقيم بمدينة واشنطن.
لقد شهدت العاصمة الأمريكية أكبر تجمعٍ حاشد للمسلمين السود أمام الكونغرس باسم "مسيرة المليون رجل" (MMM)، وكان السيد لويس فرخان هو من يقودها، مع عدد من نشطاء الحقوق المدنية السود.
كانت واشنطن العاصمة هي المحطة الأهم في كلِّ تحركاتنا كنشطاء إسلاميين وفلسطينيين أصحاب قضية وطنية.
لقد فتحت لنا واشنطن العاصمة أبواباً ما كان بإمكاننا أن نطرقها أو نصل إليها، لولا هذا التواجد فيها.
وعليه؛ كان وجودنا في العاصمة الأمريكية لأكثر من عشر سنوات هو ما سهََّّل لقاءاتنا بشخصيات أمريكية مرموقة في عالم الاكاديميا والفكر والمعرفة والسياسة والاعلام، وكذلك أتاح لنا فرص الالتقاء بعديدٍ من قادة ورؤساء الدول العربية والإسلامية، مثل: الرئيس المصري حسني مبارك.
- جلالة الملك الأردني الحسين بن طلال. -الرئيس الإيراني محمد خاتمي.
-الرئيس اليمني علي عبدالله صالح.
-الرئيس الجيبوتي عمر جيلو.
-الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات.
- رئيس الوزراء التركي نجم الدين أربكان.
- الرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
- الرئيس الماليزثي د. أنور إبراهيم.
في الفصول والحلقات القادمة، سنعرض لفحوى اللقاء مع
بعضٍ منهم، من حيث البواعث وسياق العلاقة التي جمعتنا بهم؛ سواء أكان ذلك على شكل لقاءٍ بدعوة أو في مهمات تواصل وعمل.
في الحقيقة، كانت منطقة واشنطن الكبرى تعجُّ بالمؤسسات والجمعيات اليهودية الموالية لإسرائيل وكذلك المعادية لها، وقد كانت لنا مع الأولى مناظرات ونشاطات معارضه لمواقفها وبياناتها الداعمة لإسرائيل أو بسبب محاربتها للإسلام ومهاجمتها للحركات الإسلامية، مثل: منتدى الشرق الأوسط (MEF)، وكان يرأسه اليهودي دانيل بايبس، وهناك الصحفيّة بجريدة نيويورك تايمز جوديث ميلر، والصحفي ستيفن إيمرسون، والباحث د. خالد دوران؛ وهو يهودي من أصول مغربية، والباحثة بمركز الشرق الاوسط بجامعة هارفرد ساره روي، وهي من أصول عراقية، ومن الجمعيات كذلك، رابطة الدفاع اليهودية (JDL) ومنظمة إيباك، وغيرهم.
جدير بالذكر، أنَّ هناك تجمعاً يهودياً معادياً للفكر الصهيوني وقيام دولة إسرائيل، يسمى (ناطوري كارتا)؛ أي حُرَّاس المدينة.
كان الحاخام إسرائيل وايس؛ رئيس هذه الجماعة، يشاركنا في التظاهرات الاحتجاجية أمام البيت الأبيض والسفارة الإسرائيلية، وكنَّا نستضيفه في ندواتنا السياسية بمؤسسة (UASR)، بل إنه كتب تقديماً لإحد كتبي الصادر باللغة الإنجليزية.
كانت عملية التحريض ومحاولة شيطنة المسلمين واتهامهم بالتطرف والإرهاب، هي من حرَّكنا لعقد مؤتمرٍ ضخم بمبنى الصحافة الدولي بالعاصمة واشنطن، بعنوان (الإسلام والغرب: تعاون لا مواجهة)، حيث شارك في فعالياته حوالي خمسة وعشرين شخصية إسلامية، جاءت من معظم دول منطقة الشرق الأوسط، أمثال: د. عبداللطيف عربيات والوزير كامل الشريف (الأردن)، والمفكر الباكستاني د. خورشيد أحمد، والسيدة د. عزيزة الهبري، والداعية المصري الأستاذ كمال الهلباوي، والناشط السعودي سليمان العلي.
ومن بين الشخصيات الفلسطينية التي كانت دائمة الحضور بمشاركاتها في الكثير من المؤتمرات والندوات الإسلامية بالعاصمة واشنطن د. سامي العريان والدكتور رمضان شلَّح والشيخ عمر الصوباني.
لم تكن واشنطن مجرد مدينة عادية، بل كانت عاصمة السياسة والإعلام الدوليين، والموطن الذي تجد فيه شخصيات المعارضة حول العالم آذاناً صاغية، لإيصال احتجاجاتها وتبليغ مظلومياتها، كما انَّ هناك جماعةِ اللوبيات التي يتم التعاقد معها لإجراء أنشطة وفاعليات تخص تسجيل مواقف لصالحها وحشد الراي العام خلفها، عبر التواصل برجالات الكونغرس والسياسين، مقابل دُفعات مالية.
في واشنطن العاصمة صدرت لي أربعة كتب باللغة الإنجليزية، وهي:
- الإسلام والغرب.. حوار لا بدَّ منه (٢٠٠٠)
- المواجهة بين الإسلامية والعلمانية في تركيا.. قضية نجم الدين أربكان (٢٠٠٠)
- المحرِّضون على العداء.. حملة استهداف المسلمين في أمريكا (٢٠٠١)
- د. أنور أبراهيم.. رجل النهضة (٢٠٠٢)
- بصمات التآمر الصهيوني.. التحريض على المسلمين بعد الحادي عشر من سبتمبر (٢٠٠٣)
- مسلمو أمريكا.. جاليةٌ تحت الحصار (٢٠٠٤)