بدر خان سوري مستهدفاً
كنت قد تعرفت على الشاب المسلم الهندي الناشط الآن في أمريكا، بدر خان سوري، في يوم وصول عروسه الفلسطينية "مَفاز" إلى الهند، أثناء عملي فيها سفيراً . فقد أبلغني أحد الناس عن وصول العروس مع أمها وشقيقها "يقين" يوم الأحد 29 ديسمبر 2013. وفي التعرف على أصل الموضوع، علمت أن "مفاز" التي ولدت في أمريكا وحملت جنسيتها، قد تعرفت على بدر أثناء تواجده في قطاع غزة، في إطار زيارة تضامنية.
في الحقيقة، خشيت وقتها على ابنتنا العروس، من صدمة الفارق بين نمط حياة المسلمين في الهند وحياتنا في قطاع غزة، بدءاً من استغراب العروس نقلها من المطار إلى حيث يقيم العريس بأسلوب آخر أو بعربات "الركشا". وتحسست الفائدة المعنوية من تقديمنا نحن، الفتاة وأسرتها، إلى مجتمع العريس، من منصة الهيئة الممثلة لبلادها، ومن المبنى الفلسطيني الرحب الأنيق في دلهي الجديدة الي نستقبل فيه كل زائر. وفي الحقيقة كان والد العروس في ذلك الوقت محسوباً على جماعة "الإخوان" ويعمل مستشاراً لرئيس حكومة حماس، وكانت الخصومة بين فتح وحماس في أوجها. وبالطبع اعترض البعض على مجاملتي للأسرة، ودُبّجت ضدي التقارير الصحيحة وغير الكيدية، في واحدة من نوادر الصدق في تدبيح التقارير الأمنية. وكان لسان حالي وقتها يقول: المهم تبييض وجه الأسرة الفلسطينيية أمام الهنود لكي تدخل البنت قوية معززة، وبخلاف ذلك طُز في فتح وتلحقها حماس، مع بعض اطزاز سأحضّرها لمن يفتح الموضوع معي!
في موعد وصول الطائرة، كنت وزوجتي في انتظار العروس وأمها "أم أحمد" وشقيقها "يقين". كنا ننتظر عند أول الدخول للصالة وقبل وصول الضيوف الى نقطة ختم جوازات السفر. ولما خرجنا تعرفت على بدر خان في التو والحال، وسرعان ما علمت أنه شاب كبر على محبة الزعيم ياسر عرفات، شأنه شأن جميع مسلمي الهند وجميع هندوسها المؤيدين لحزب المؤتمر.
تحركنا بالسيارات إلى مجمع السفارة، وخصصت للأسرة الضيفة شقة مفروشة من شقق السكن التابع للمجمّع الذي نمتلكه، لكي تتهيأ فيها العروس ليوم زفافها وتخرج منها إلى الحياة الزوجية.
في الحقيقة من يعرف المسلمين في الهند، يُدرك أن خياراتهم غير العنفية تختزل شروط حياتهم في بلادهم. فمن المفارقات أن التأصيل الأيديولجي لمنحى ما يسمى الإسلام السياسي، أو للمنحى الإخواني، بدأ من الهند على يد الشيخ أبو الأعلى المودودي، الذي ولد في مدينة حيدر آباد سنة 1903. وعلى الرغم من ذلك يعتبر كل هندي مسلم أن الدولة العلمانية المدنية، التي تساوي بين مواطنيها، هي ضمانة حياته ومصدر حمايته، أما الدولة الدينية ففيها هلاكه، لأنها ستكون هندوسية متطرفة. فبقدر ما يذم الأسلاميون العرب الدولة العلمانية، ترى إسلاميي الهند يتعلقون بأهدابها ويعرفون فضائلها بالقدر الذي طبقته حسب الدستور أسرة غاندي التي قُتل رموزها على مذبح التطرف الهندوسي الضاغط.
في يوم الخميس 2 يناير 2014 زُفت العروس من حرم سفارة فلسطين، وكان العبد لله ينوب عن أبيها وكيلاً. وبصراحة لم ينقطع الشاب المثابر بدر وزوجته عن زيارتنا، وقد أبلغني أن أول ذريته سيحمل اسم عرفات، تيمناً بقائد حركة التحرر الفلسطينيية.
بعد ذلك بسنوات، قرأ الشعب الفلسطيني كله، للكاتب والمثقف الفلسطيني أحمد يوسف، والد مفاز، مراجعاته التي تعرض بسببها للنقد والزجر من قدامى "الجماعة" ومن شبيبتها، ومع توالي الأحداث أصبح الرجل داعية وئام وطني، على قاعدة الواقعية العقلانية واحترام المجتمع، وإصلاح النظام السياسي.
الأمريكيون اليوم يريدون شيطنة بدر خان سوري وكأنه سيقلب أمريكا على رأس أهلها لكونه فقط يتعاطف مع ألوف الأطفال والأبرياء الذين قتلتهم الصهيونية على مر 17 شهرا، وقبل أيام قتلت هذه الصهيونية الحقيرة بدعم أمريكي وبطائرات أمريكية، 130 طفلاً من بين أكثر من 500 مدني بريء في يوم واحد...
المجرمون هم، ومخالفو كل القيم والأخلاق هم, أما الشاب المسلم بدر فهو يؤدي عملاً حضارياً في الولايات المتحدة، بينما ترامب وإدارته وإدارة من سبقة، فمسؤولون عن قتل الأبرياء الذين لا شأن لهم بالسلاح في قطاع غزة.